مؤسسة آل البيت ( ع )

17

مجلة تراثنا

فهذا الدين كامل من حيث توضيح المعارف والعقائد ، كامل من حيث بيان الوظائف والأحكام ، كامل من جهة عناصر استمراره ، وموجبات خلوده ، ومتطلبات بقائه ، على مدى الأيام والدهور . فلا وجه - إذن - لقصر الآية على الكمال من ناحية دون ناحية ، وجانب دون جانب فهي بإطلاقها تنبئ عن كمال الشريعة في جميع جوانبها ، ومجالاتها من غير اختصاص بالإيمان ، أو بالحج ، أو بغيره . على أن حديث الاكتمال الوارد في هذه الآية ، لا يختص بإكمال الدين من حيث بيان العقيدة وتبليغ الشريعة ، بل يعم الاكتمال من جهة بقاء الشريعة واستمرار وجودها طيلة الأعوام والحقب القادمة ، إذ ليس حديث الدين كالمناهج الفلسفية والأدبية وما شبه ذلك ، فإن الاكتمال في هذه المناهج يتحقق بمجرد بيان نظامها وتوضيح خطوطها الفكرية ، سواء أطبقت على الخارج أم لا ، وسواء استمر وجودها في مهب الحوادث أم لا ، بل الدين شريعة إلهية أنزلت للتطبيق على الخارج ابتداء واستمرارا حسب الأجل الذي أريد لها . فتشريع الدين من دون تنظيم عوامل استمرار وجوده يعد دينا ناقصا . ولأجل ذلك دلت السنة على نزول الآية ( اليوم أكملت ) يوم غدير خم عندما قام النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنصب علي ( عليه السلام ) للولاية والخلافة ( 1 ) . والعجب أن ابن جرير أخرج عن ابن جريح ، قال : مكث النبي ( ص ) بعد ما نزلت هذه الآية ( اليوم أكملت . . . ) إحدى وثمانين ليلة ( 2 ) . وبما أن الجمهور أطبقوا على أن وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) كانت في الثاني عشر من ربيع الأول ، فينطبق أو يقارب يوم نزول هذه الآية على الثامن عشر من شهر ذي الحجة ، وهو يوم الغدير الذي قام النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيه بنصب علي عليه السلام للخلافة والولاية . ولأجل هذه العظمة الموجودة في مفهوم الآية ، روى المحدثون عن طارق بن شهاب قال : قالت اليهود للمسلمين : إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا - معشر اليهود - نزلت ، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : وأي آية ؟ قال : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) .

--> ( 1 ) راجع الغدير ج 1 ص 210 - 217 للوقوف على مصادر هذا الأمر . ( 2 ) الدر المنثور ج 2 ص 257 و 259 .